Saturday 18th of August 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Jun-2018

«بيت الشَّعر الاخير في فلسطين عشائر التعامرة انموذجاً» - يوسف عبداالله محمود

الراي - بين يديّ كتاب يغوص مؤلفه داود القرنة في الجذور الأولى لذاكرة شريحة تمثل عشائر «التعامرة» الذين غرست فيهم البادية الفلسطينية فضائل الكرم والنخوة والفروسية كأنموذج للبداوة العربية.

كتب مقدمة هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «بيت الشَعر في فلسطين عشائر عرب «التعامرة» انموذجاً» الدكتور أمين محمود وزير التعليم العالي الاسبق. يفتتح داود القرنة كتابه بهذا الحديث الشريف «من أبطأ به عمله لم يسرع به نَسبُه». في كتابه يؤكد المؤلف انه في مؤلفه هذا لا يتفاخر بالأحساب ولكنه يهدف «الى الحفاظ على الذاكرة الجمعية والوطنية وتعميق الانتماء الى الأرض» ص 11 رؤية مستنيرة بلا شك.
بدأ الكاتب –كما يقول- في جمع مواد كتابه منذ عام 2007 ،وقد قسمه الى تسعة فصول «تناولت البدو والبداوة في فلسطين وموقع عرب التعامرة والجغرافيا والحياة الاقتصادية والاجتماعية والعادات والتقاليد والموروث الثقافي واللهجة والأمثال والتحول العام».
في كتابه يشير الى غياب الدراسات الميدانية العربية عن مدى التطور الذي حدث على حياة البدو الذين «تحضّروا» وبخاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
ما لفت انتباهي وأنا أذرع صفحات الكتاب ان الباحث يأخذ على الكثيرين من ابناء العشائر في بلاده احتماءهم
وراء التعريفات القبائلية مُستدعين الامجاد الغابرة بدلاً من التسابق على النفع العام والانجاز الانساني الذي
يخدم الوطن الكبير.
في مقدمته أشار د. أمين محمود الى هذه الظاهرة حين ذكر «إنه لم يعد مقبولاً اليوم ان تبقى إشكالية
الولاء والانتماء دون حل وحسم..» وأضاف وهو الذي ينتسب الى عشائر التعامرة، «نعم نحن جميعاً في عشائر
التعامرة الأردنية والفلسطينية النبيلة أبناء لحوض نهر الأردن الغالي، لأن الأوطان في المحصلة «ملامح» وبشر
وشجر وحجر وليس مناصب وسياسات وهويات، كما يقول شاعرنا الراحل حبيب الزيودي». (المرجع السابق ص
.(7 تبدأ سكنى عرب التعامرة في الجنوب الشرقي من مدينة بيت لحم المحتلة وصولاً الى الشاطئ الغربي من البحر الميت. وكلمة «التعامرة» اسم جمع ومفردها تعمري وهو من انتسب الى «بيت عمر او بيت تعمر».
والتسمية جاءت على اسم عمر بن الخطاب، الذي جال في بعض مناطق فلسطين. ومنذ ثلاثينات القرن العشرين بدأ عرب التعامرة يستقرون في بيوت من الحجر. وكما يقول المؤلف، مع بداية القرن الحادي والعشرين يمكن القول ان عشائر عرب التعامرة قد دخلت حياة المدينة بالكامل، ولم يبق منهم من يشتغل بالرعي الا عدد قليل جداً. ويرجّح المؤرخون ان هذه العشائر وفدت الى فلسطين من الجزيرة العربية.
شارك عرب التعامرة في معركة الشعب الفلسطيني للتحرر من الاستعمار البريطاني ومقاومة الهجرة اليهودية. قاتلوا مع عبد القادر الحسيني «وقد انضم بعضهم الى فرقة المشاة الثانية في الجيش الأردني التي التحق بها الامير طلال في عام 1942 .وقد روى لي أحدهم –والكلام للمؤلف- ان معركة جرت بين العصابات الصهيونية في احدى المستوطنات وبين وحدة من هذا الجيش في منطقة القدس، فجاء الأمير طلال ووقف خلف المدفعية وقال لي «زغرت يا تعمري اذا بتعرف تزغرت. وبعدما زغردت، اطلق قذيفة مدفعية،
فسقطت في وسط المستوطنة اليهودية تماماً». (المرجع السابق ص 223.( وعندما شكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 انضم كثيرون من التعامرة الى حركة المقاومة الفلسطينية، ومنهم قادة سياسيون وعسكريون، ربما يكون صلاح اسعد سليمان التعمري احد ابطال معركة الكرامة.
وشيئاً فشيئاً ذاب الانتماء القبلي والعشائري، واندمجت الهوية القبلية الضيقة في الهوية الوطنية الأوسع،
كما شاركوا في الحياة السياسية الأردنية.
وبعد فقد نجح الكاتب الصحفي داود القرنة في تسليط الضوء على الجذور التاريخية لعشائر التعامرة مبرراً دورهم الوطني في مقاومة الاستعمار البريطاني ومن بعده الاحتلال الاسرائيلي.
لقد بذلك المؤلف جهداً كبيراً في إعداد كتابه في ضوء شُح المصادر المتوافرة حول دراسته. ولكونه ينتمي الى هذه العشائر فقد نجح في اعتماد المنهج الروائي التاريخي الوصفي السّردي متتبعاً المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية التي طرأت على حياة هذه العشائر بدءاً من بيت الشَعر وانتهاء ببيت الحجر.
داود القرنة وان كان قد خصص بحثه العلمي في تقصّي جذور عشائر عرب التعامرة، فإنه بحق تحدث وبصفة
عامة عن البداوة الأصيلة بروح من المسؤولية. أشاد بِ»بيت الشَعر» الذي انجب رجالات عظماء إن في السياسة أو العلم أو الكفاءات العسكرية التي يُعتز بها.
استعرض هذا الكاتب اللامع السياسة الصهيونية الممنهجة الهادفة الى القضاء على آخر بيت شَعر في
فلسطين ضمن سياسة التطهير العرقي.
داود القرنة على امتداد كتابه ظل يدعو الى خلق نسيج اجتماعي متماسك يناسب حداثة العصر.
«.. الارتداد الى الماضي يثير اشكالية مفهوم الولاء والانتماء والقبيلة والقبائلية التي تعاني منها المجتمعات
العربية، وهو ارتداد لن يجلب سؤدداً او جاهاً». «الهوية الوطنية» هي التي ينبغي ان تسود رغم الاعتزاز بالتقاليد القبلية المتناغمة والحسّ الوطني والانساني.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات