Saturday 19th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Sep-2020

البحث عن الذات في رواية «نيرفانا» لهند خليفات

 الدستور-موسى إبراهيم أبو رياش

 
بين البتراء ومعان وإربد وعمان ومادبا والزعتري والسويد وبيروت والعراق والهند، تدور أحداث رواية «نيرفانا» لهند خليفات، وهي أقرب للنوفيلا من حيث الحجم، ولكن لا أرى أنها كذلك؛ لتنوع الشخوص، ولكل حكايته التي تغني المتن السردي، على الرغم من ارتباط جميع شخوص الرواية بعلاقة مباشرة مع الشخصية الرئيسة فيها «هُتان»، هذا الاسم الغريب، الغامض، وربما أقرب معنى لغوي له هو «المطر الغزير» أو «السحابة الممطرة».
 
لم يأت مدلول عنوان الرواية «نيرفانا» مجرد عتبة للنص، أو مدخلًا للرواية، أو حتى مفصلًا من مفاصلها، بل يكاد أن يكون صبغةللرواية كلها، فـ«نيرفانا» تعني ببساطة التسامح مع كل شيء، والسلام الداخلي، والخلاص من كل مؤثر سلبي، وقد جاءت في النص من خلال قهوة «النيرفانا» التي يطلبها أو يعدها «سراج»، بطريقة خاصة، أو من خلال تدريبات المدربة التايلندية للوصول إلى حالة «النيرفانا»، عن طريق تطاير الوجع والخلاص من الطاقة السلبية، واختتمت الرواية بوصول «هُتان» إلى حالة قريبة من «النيرفانا»، بعد أن تخلصت من تأثير وسحر «سراج»، وتعاليها على آلامها وجراحها وأحزانها، وسعيها إلى عالم الشرق، حيث تجد هناك ذاتها، وتشحن طاقتها بعد أن ترفو جراحها، وتعيد رسم خريطة حياتها وأولوياتها من جديد.
 
تكونت الرواية من خلطة من البلدان والشخوص والجنسيات والقوميات والأديان، مما أضفى عليها نكهة سحرية، أكسبت الرواية الإثارة والتشويق والترقب، وعلى الرغم من الهدوء والانسيابية التي اتسم بهما السرد وتتابع الأحداث، إلا أن القارئ يشعر بالصراع الداخلي الذي يمور في قلب وعقل ووجدان «هُتان»، بسبب الحرب وويلاتها وآثارها المدمرة، وما شاهدته بعينيها، وما سمعته من قصص وحكايات دامية، بالإضافة إلى طعنة «سراج»؛ الذي أنهى علاقة حب، بدأها برسالة إلكترونية، وأنهاها بمثلها، ورافق الصراع، حيرة وصراع من نوع آخر، فقد كانت «هُتان» حائرة مترددة بين العودة إلى «سراج» بعد اعتذاره وتوسلاته وإلحاحه، أو الاستجابة لعاطفة زميلها الجامعي«ميشيل»، ولكنها في النهاية اختارت نفسها، وتركت الاثنين، وعادت في زيارة ثانية إلى الهند، حيث سحر الشرق، وتوابل الشرق، وأصالة الشرق، وكنوز الشرق، وعجائب الشرق، وتاريخ الشرق وحضاراته وتنوعه، في محاولة منها للوصول إلى حالة «النيرفانا» التي تصبو إليها، والسلام الداخلي، والانسجام من الكون، والخلاص مما ألمَّ بها من آلام وجراح ومعاناة.
 
واللافت في الرواية أن «هُتان» نفسها كانت نتاج خليط من كل شيء، فهي ابنة باحثة سويدية، وأب بدوي من قبيلة «البدول» سدنة البتراء وحراسها وأعرف الناس بدروبها وأسرارها، نشأت في البتراء ومعان، ودرست في جامعة اليرموك في إربد، وسكنت عمان، وأكملت دراستها العليا في بيروت، وعملت مراسلة صحفية في مخيمات النزوج في العراق، ومن ثم في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، صاحبت لبنانية، وأحبت عراقيًا كرديًا، وكان زميلها المقرب مسيحيًا من مادبا. هذا الخليط المتنوع أثرَّ بشدة على شخصية «هُتان»، وأكسبها خبرات ومعارف وتجارب أكبر من عمرها، وجعلها تجابه الحياة ومشاكلها بمفردها، إلا من دعم صديقتها أحيانًا، بعيدًا عن الأسرة والأقارب.
 
شخصية «سراج»، كانت الأبرز بعد «هُتان» في الرواية، والأكثر تأثيرًا، بما حفلت به من ذكاء وقدرة على الاقتناص وكسب الإعجاب ولفت الأنظار؛ فقد استطاع هذا المهندس الثري، مصمم المشاريع العمرانية الكبيرة،أن يستحوذ على «هُتان» بعد أن ألقى صنارته في الفضاء الأزرق، من خلال رسالة إلكترونية، وعندما نجح في ذلك، التقيا في الهند وبيروت والعراق، وعلى الرغم مما ظهر لها من خياناته، إلا أنها تمسكت بحبل الأمل، وخداع النفس، وما لبث أن قطع علاقته بها برسالة إلكترونية، تاركًا جرحًا عميقًا في قلب «هُتان»، فأصبح «السراج» الذي يُستضاء به من العتمة، سببًا في الألم العميق، وخيبة الأمل، ولكن الجرح في المقابل كان ضروريًا، للوصول إلى حالة «النيرفانا»، فتجربة «هُتان» مع سراج بحلوها ومرها كانت إيجابية في المحصلة، وخاصة لفتاة ما زالت في مقتبل العمر، والحياة ما زالت أمامها على مصراعيها بكل ما فيها من خير وشر، ولكأن الجرح الذي أحدثه «سراج» بطعنته الغادرة، هو الجرح الذي عناه جلال الدين الرومي بقوله: «الجرح هو الثغرة التي ينفذ منها النور إلى أعماقك».
 
تضمنت الرواية عددًا من الحكايات الثانوية لبعض الشخوص، مما أثرى الرواية، وزاد من منسوب عمقها وواقعيتها وتشويقها، مثل قصة الفتاة السورية «سامية» من مخيم الزعتري، ومقتلها على يد أخيها وأبيها، وقصة «لارين» مع الشيف «كُرام»، وحكاية والدي «هُتان» وتعارفهما في البتراء وزواجهما في السويد، والعودة إلى البتراء بعد وفاة الأم، وقصص النساء الدامية في المخيمات العراقية، وغيرها من الحكايات ذات الدلالات المختلفة، وقد تأثرت «هُتان» بكل أحداث وحكايات الرواية، فقد عاشتها بنفسها، أو عاينتها شاهدة عليها، أو شاركت فيها، وساهمت جميعها في تشكيل نظرتها إلى الحروب والواقع المر، وتأثرت بكل شيء، وعانت مما شاهدت وسمعت ولامست، وقاسمت الضحايا المعاناة والألم، وشعرت كم أن الإنسانية غائبة عن المخيمات، فالمخيم، مهما توفرت به أسباب الحياة، يبقى مخيمًا على هامش الحياة، وربما خارج الحياة.
 
المفارقة كانت لافتة في الرواية، ومن أمثلتها: زواج الدواج البدوي «عقيل» من الباحثة السويدية «بريجيت»، وقيامه بتعليم بناته على خلاف السائد في بيئته. زواج «عائشة» الأخت الكبرى لـ«هُتان» من سائح أسترالي. تعلق «لارين» التي تجهل الطبخ تمامًا وحبها للشيف «كُرام». تسبب جهاز الخلوي، أداه التواصل وتوثيق عرى العلاقات في مقتل «سامية»، وبتر وجودها إلى الأبد.وعن مخيمات النزوح في العراق، تقول «هُتان» تصف مفارقة مؤلمة: «شهدْتُ هناك، كيف يمكن أن تتحوّل امرأة لا تهجر سجّادة صلاتها لسلعة تباع وتشترى».
 
ولعل رحلة «هُتان» الطويلة نسبيًا، وتنقلها بين المدن والبلدان، ومعاناتها المستمرة، وجراحها العميقة، وخيباتها المتلاحقة، كانت مخاضًا ضروريًا؛ لتعرف ذاتها جيدًا، وتدرك أن الحياة حرب لا تهدأ، بل هي جبهات حرب متزامنة في كثير من الأحيان، وعلى المرء أن يكسب حربه الداخلية أولًا؛ ليقف على أرض صلبة حتى يستطيع أن يكسب حروبه الأخرى.
 
وبعد؛؛؛ فإن رواية «نيرفانا»مغامرة روائية جريئة، وقد نجحت هند خليفات، بلغتها البسيطة الآسرة، البعيدة عن التكلف والفذلكة، وسردها السلس المتدفق بهدوء وانسيابية مدهشة، أن تقدم رواية مختلفة، وأن تثير عددًا من التساؤلات والقضايا والأفكار التي تقلق القارئ، وتستفزه للتفكير والبحث عن أجوبة من خلال الواقع المحيط به، وخاصة فيما يتعلق بضحايا الحروب من النساء، اللواتي كُتب عليهن –حسب الرواية- أن يكن ضحايا في السلم وضحايا في الحرب.
 
ومما يجدر ذكره، أن «نيرفانا» هي الرواية الأولى للكاتبة والفنانة التشكيلية هند خليفات، صدرت حديثًا عن دار ورد في عمان، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وأصدرت من قبل كتابين في الأدب الساخر: «اعترافات امرأة لا تجيد لَفّ الدوالي»، 2009، و«نسوان 2/1 كوم»، 2011، ونشرت مقالاتها الساخرة في صحيفة الرأي الأردنية وغيرها.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات