Thursday 21st of June 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-May-2018

ومضة من خزاّن الذكريات - د. محمد القضاة

الراي -  الحاضر صنو الماضي، كلاهما حبيب وغريب! الأول يطفو على الثاني، والثاني يشد الأول وأنت بينهما بين مستجيب وحبيس، ودورة الحياة فيهما تمر في تسلسل عجيب، تراها أحياناً طبيعية ، وتمر في أحيان ببطء شديد، وتكتشف صدفةً إنها أسرع من البرق، مرت تلك اللحظات في شريط الذكريات تتنهد، تقف، تغرورق فيها العيون، تجلس وأنت

تمعن النظر في الأفق البعيد، يا لها من وقائع تهُز أشجان المكان، يا لها من حيوات
تختلط بين الدمع والشجن واللحن الحزين، وتعلن للزمن البعيد إننا بشرٌ بأحاسيس
الإنسان، نخزّن الماضي في كوة العقل غير اليقظان، وفيه سرعان ما تنفجر الذكريات؛
وكأنها محفوظة في سجل مرتب على سطح المكتب، تنفض عنه تعب السنين،
فتخرج منه الأفكار والذكريات بحلوها ومرها بعجزها وبجرها الواحدة تلو الأخرى.
وهنا تبدأ الحكاية حين وقفت بعد زمن طويل في أرض جدي، وجلست فيها بعد غياب
طويل، وقفت أتأمل الأرض، وهي تشدني إلى عروقي ومن كانوا هنا، غرست قدمي
بترابها، وجدتها تدمع عشقاً وحناناً، ثم خطوت الخطوة تلو الأخرى، وإذا بها تشدني
من جديد، وتقول: هنا رائحة الأجداد والآباء، هنا دم مفلح الطازج الذي لبى نداء ربه في
القرن الماضي حين كان يقلّب التراب بمحراثه؛ وكأن صوته يرن في أفق الفضاء يعيده
الصدى: أنا هنا وأنتم أيها الساهدون في مهب الحياة أين أنتم؟- وفجأة تذكرت صوت
أحمد ابن أخيه حسن حين جاءه وهو يغني بصوته الشجي فرحاً بطفولته، وهو يحمل
بين يديه زاده- ، ولم يدرِ إن قدره كان خلف صدى ذلك الصوت، وعادت بي الذاكرة
لأحاديث الآباء والأجداد، وهم يعيدون قصة الرباب التي انتهى عزفها بذهاب من ذهبوا،
وماعادت إلا قولاً:» آفت الحياة النسيان»، وقفت أمام رائحته، وجدته حزيناً على الأرض
اليباب التي لم يرعها الأبناء والأحفاد، قلت في داخلي: ما أقسى هذا الجيل الذي ترك
هذا التراب نهباً للبوار!
عُدت إلى ذاتي ودمعي ينزف على ذاك البيدر الذي جلسنا فيه قبل أربعة عقود ونيف
نتناول البسيسة بمذاقها العتيق، وقد اختلطت بطعم الفحم ورائحة الحطب، تذكرت
شجرات اللزاب بصوت حفيفها الرطيب، وهي تداعب بعليلها شبابنا؛ وكأنها تعيد
الصوت من جديد؛ آه يا أرضي كيف غدوت الآن! آه على الأيام كيف تمر بِنَا تطحن الماضي
برمشة عين، وأنت ساهٍ لا تعرف كيف أنت من هذا المكان الحافل بالذكريات والحيوات،
تعود لتتذكر العرائش والروزنا وشجر الصنوبر وقِرب الماء، ووعورة الطريق وصعود
الجبال، وكيف كانت تخطف الأنفاس لارتفاعها وصعوبتها، وهنا تمر ينحني رأسك إجلالاً
أمام تشابك الأشجار اليانعة باللزاب والسنديان والقيقب والبطم والبلان والطّيّون،
وتجد روحك تترنم على صوت الحجل والبلابل والحمرى والحسون، وتعود لتعيش على
صوت أبيك وحنان أمك وهي ترنو للجديد وعيونها ترقب المشهد بصبر أيوب، وهو
يحلم بمستقبلك؛ غير أنه يمضي كومضة البرق مع صوت الهزيم في رحلة أبدية كأخيه
مفلح الذي ما زال صوته في البرية، يرفض الهزيمة والقتل الحرام، وهي لا تفارقها
الدمعة والحركة والسهر في الليالي الطوال، وأنت في خزّان الذكريات تنظر حولك
لتفوق، وبجانبك رفيقي العمر إخوتي الذين اتنسم معهما عبق ذلك الزمن الحنون،
حين كنّا نخط رحالنا هنا؛ ثلاثتنا بفرح الفطرة المعتقة برائحة الطبيعة وجمالها الآخاذ،
تداهمنا الذكريات تحت شجر اللزاب على هذا البيدر الذي يحكي قصة الأمس بألوان من
الحب والحزن، ونمضي ونحن جميعاً في تلك الذكريات نقف على حجر دارس يعرف
أنفاسنا، ويسمع صوت الحنين يرقص لنا ونحن نبكي السنين، وكلنا يقص على الآخر
آهاته.
وحين وقفتُ على أطرافِ الجبلِ المطل لمع في ناظري ذلك القابع في البعيد صالح
وهو يغني للرعاة على وتر شبابته ومن حوله أغنامه بأجراسها ولهفتها للشراب
والطعام، وإذا بي على حافة منطار حين كان يقيم عليه عسيبٌ وأي عسيب، صديق
الغابة ورجلها في الليل والنهار، كان الظلام رفيقه، والمنطار حبيسه وعشه المتين،
ومضات الماضي ليس مثلها في الحاضر غير صوت يُعيدك لذاتك صوت ليس له مثيل
إلا في ذاك المحال، إنه الصوت الأصيل يهزُ كيان الزمنِ الجميل، وتلك الذكريات تُشعرك
بزمنين؛ الأول تحبو فيه وأنت مثقل بذكريات، تطحن المستحيل وتعبر فيها كل
العقبات والمحبطات، تتجاوزها بقوة دفع لاتنظر فيها خلفك؛ لأن كل من في ذلك الزمن
يشعر بقيمة الأشياء، والثاني تعيشه الآن فيشعرك بغياب القيم والزمن الجميل، فلا
وزن ولا احترام لشيء، وتسأل في قرارة نفسك ماذا جرى للناس والمجتمع والأفراد
والقيم وكل شيء نبيل؟ وأعود لتلك الومضة التي أثارت فيّ خزّان الذكريات، وأعادت
لي خريطة الماضي، وجدتها تعبر الحاضر ليختلط الماضي بالحاضر في دائرة غريبة
تُنقب في طبقة العقلِ غير اليقظان، فتجد نفسك في تسلسل تهزه أعتاب الواقع
بنرجسيته وعنفوانه ومتطلباته وأسئلته، وكأنك في ضياع المستحيل.
Mohamadq2002@yahoo.com
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات