Tuesday 17th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Mar-2017

بين دقِّ العود.. ودقِّ الأُبَر.. - ناديا هاشم العالول
 
الراي - أحيانا يُصابُ المرء بتخمة من كثرة الأكل والشّرْب فترفض معدته استيعاب ايّ شيء آخر مهما كان دقيقا، ونُصابُ أيضا بتخمة من نوع آخر من كثرة التنظير كمنظّرين وكمستمعين لدرجة الإشباع.. بحيث يرفض العقل والحواس استيعاب أيةّ معلومة إضافية مهما صغرت وتضاءلت.
 
فنبحث عن مأوى بعيد مؤقت لنريح الجسد والنفْس من سطوة الإشباع.. ولكن اين المفرّ فبين تنظير وتنظير يوجد تنظيرآخر، وبخاصة بظل تداول المعلومات والأخبارعبر إعلام لا يكلّ ولا يهدأ ووسائل تواصل اجتماعي تحمل بين ثناياها الغثّ والسمين.. تتخللها ندوات ومؤتمرات ومحاضرات وتدريبات وورشات عمل سواء بمواضيع اجتماعية وسياسية وثقافية وإبداعية وقيادية.. فمن التدريب على القيادة الى الإبداع الى تمكين الأسرة الى الديمقراطية والأحزاب الى يوم المرأة وما قبله وما بعده.. تخمة ابداعية ثقافية اجتماعية سياسية اقتصادية بامتياز.. ناهيك عن الأمور الحياتية والعملية الأخرى المطالَبين بها..فترانا دوما واقعين تحت مطرقة ومدقّ التنظير ومع ذلك تسمع السؤال المعهود «وين هالغيبة» ؟
 
غيبة؟ أية غيبة التي يتحدثون عنها؟ فعلى ما يبدو أنه ليس بمسموح لنا بالتغيّب والغياب والمغيب مع أن الشمس العظيمة تغيب!
 
نحن لا نتذمر حاشا لله بل ترانا نشارك عن طيب خاطر ورغبة حقيقية يغذيها شغف دائم يحثنا على التقدم بمسيرة التنمية المستدامة والإصلاح حاملين شعار «بكل حركة ايجابية بركة» بشرط تحقيق التوازن بين أخذ وعطاء.. وبين عمل واسترخاء لتحقيق الفائدة المأمولة.
 
ولكن بين الحين والآخر يشعر المرء- وهذا حق طبيعي- بأنه واقع تحت مدقّة التنظير المنهالة علينا طيلة الوقت، ولئلا يصبح الواحد منا هباء منثورا نتيجة الدقّ المستمر، ولإنقاذ مما يمكن إنقاذه نقتنص استراحة محارب قصيرة شادّين الرِّحال باتجاه واحة تساعد على لملمة النفْس وتصفية العقل، فتصبح الصورة عن بُعد واضحة المعالم جليّة المضمون بأبعادها المختلفة الحقيقية والوهميّة، مما يمكّننا من وضع حلول تطبيقية تجعل من هذا التنظير واقعا يُستفاد منه لتحقيق التنمية المستدامة التي نريد.. وإلا سنبقى كالذي يدقّ الماء بالهاون دونما نتيجة تُذكر.
 
وعلى ذكر الدقّ بالهاوَن-الطاحونة اليدوية قبل وصول الكهربائية- لمن لا يعرف الهاون – اذكر بالطفولة كيف كنا ندق حبّات القضامة الصفراء والسكّر الى منتَج نطلق عليه «نعّومة» لنعومته الشديدة كالدقيق نتيجة التنعيم المستمر بمدقّة الهاون.. واضعين النعّومة بقُمْع ورقي نصنعه من أية ورقة نظيفة مأخوذة من دفتر النَّسخ او الحساب من ورا ظهْر المعلمة، ساكبين النعّومة بالفم عبر الطرف الدقيق للقُمْع بطقوس متعارف عليها يظللها فرح الطفولة ومرحها.. صدّقوني طعمها يشبه طعم الحلوى الشهيرة الفخمة التغليف والغالية الثمن VELVET والتي تُباع بالخارج..
 
ونعود لمصدر الدُقّ والدُّق والدقيقة والدُّقَّة الخ.. لنركز هنا على معنييْن يخصّان المقالة أوتخصّهما: دقّ بين ان يُصْدر صوتا موسيقيا.. او يغرز الشيء.. مثل دقت الساعة اصدرت آلاتها اصواتا موسيقية.. دقّ العود: نقر أوتاره بالعزف، دقّ المسمار: غرزه.. الخ.. علما بان هنالك معان كثيرة لدَقَّ منها فتته تفتيتا.. سحقه..اي جعله صغيرا.. والدقيق – الطحين- لهو دليل على التفتيت.. ودقّ المهباش يا سويلم – المهباش جرن لطحن القهوة -الخ.
 
وأعود بهذه العجالة الى مشهد طريف اندقّ بالذاكرة –انغرس- مشهد يجمع بين دقّ العود ودقّ الإبرة الطبية-الحُقنة-..
 
اذكرسيدة جليلة قريبة لنا الحاجة صبْحيّة رحمها الله.. كانت عندما تزورنا تنتابنا مشاعر متضاربة تقشعر لها أبداننا فيعترينا الخوف او نُصاب بحالة من الفرح والسرور من زيارتها...حالة من مشاعر متناقضة بزمن جميل كان أبعد ما يكون عن آفة التقلب والتناقض بين لحظة وأخرى مع ام ضدّ والمنتشرة بوقتنا هذه الأيام.. كلّ يومين بلاقيك بحال..
 
فكنا كأطفال نتوجّس شرا اونستبشر خيرا من زيارة الحاجة صبحية، متسائلين عن هدف زيارتها هل ستدقّ لنا العود ام ستدقّنا الإبرة؟
 
كانت هذه الحاجة مبدعة بعزف العود فيتحلّق الصغار حولها يطالبونها بدقّ –عزف- معزوفة «ستّي» لينهضوا متمايلين بمرح على عزفها الرشيق مدخِلة السرور والحبورعلينا.. وأما الجانب الآخر المظلم للحاجة فهو استعانة الأهل بها لحقننا بإبرة «البنسلين» المشهورة لعلاج التهاب حلق ولوزتيْن طال أمدهما..
 
كنا نتسابق لملاقاة الحاجة صبحية متطلعين لعزفها للعود فإن تلكّأت بالعزف فلابد أن لها مهمة اخرى.. دقّ الأُبَر.. لتبدأ معاناتنا بمحاولة الفلتان من هذا المصير.. مصير السْرِنْجة الطويلة التي ستنتهك حرمة الجلد مخترقة اياه بلذعة حارقة ألمها الأكبر قبل الاختراق وليس خلاله..ألم الترّقب والتوجس من دقّ الإبرة..
 
هكذا هي الحياة يوم تدقُّ لنا العود ويوم تدقُّ الإبرة بنا.. وما علينا سوى التأقلم والاستفادة من مضامين «العود والإبرة « للشفاء من الآفات الجسدية والنفسية وفق مضامينهما التي ستندقّ منزرعة للأبد بالعقل والجسد..وكلٌ ودقّه!.
 
hashem.nadia@gmail
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات