Wednesday 19th of September 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    25-Dec-2017

وثيقة الأمن القومي الأميركي والشرق الأوسط - حسن أبو هنية

 الراي - يمثل الشرق الأوسط أحد الانشغالات الأساسية الحاضرة دوما في تصورات الأمن القومي الأميركي، وقد دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عهد إدارة الرئيس ريغان على إصدار تقرير إلى الكونجرس حول استراتيجية الأمن القومي منذ عام 1986 ،وتتلخص رؤية الولايات المتحدة للمنطقة في كافة الوثائق السابقة بالحفاظ على «الأمن والاستقرار» لضمان إمدادات «النفط»، وحماية أمن المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين، وذلك من خلال الالتزام بدعم الأنظمة الاستبدادية، وحماية تلك المصالح من «الإرهاب».

تقوم الاستراتيجية الأميركية الكبرى في تدبير سياستها الخارجية على نهج يقوم على فلسفة «براغماتية» تستند إلى نهج «الواقعية» بهدف تحقيق «المصلحة القومية الأميركية»، بصرف النظر عن شخصية الرئيس في أميركا والإدارات المختلفة، وعلى الرغم من اللغط والجدال حول الفروقات بين الإدارات المختلفة عموما، وإدارة أوباما وخلفه ترامب خصوصا، إلا أن المبادئ الرئيسية المكونة للاستراتيجية القومية الأميركية تستند إلى فلسفة براغماتية تضمن تفوق الولايات المتحدة.
 
في هذا السياق لا تختلف وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 18 كانون أول 2017، في مبادئها الرئيسية جوهريا عن مثيلاتها السابقة، لكنها تحمل بعدا أكثر صراحة في طابعها الإمبريالي وأشد فجاجة في ترسيخ عولمة أميركية أحادية القطب، وتضمنت الفقرة المتعلقة بالشرق الأوسط تأكيدا على المبادئ الأساسية التي تنطوي عليها الوثائق السابقة، حيث أعلنت وثيقة الأمن القومي الأميركي أن الولايات المتحدة تريد منطقة بدون مناطق سيطرة للتنظيمات الإرهابية، وبدون قوى معادية للولايات المتحدة، بل تساهم في استقرار سوق الطاقة العالمي.
 
يمكن فهم التصورات الاستراتيجية الأميركية في عهد ترمب لوثيقة الأمن القومي حول الشرق الأوسط من خلال فريقه الذي أشرف على صوغ نص الوثيقة وخصوصا كل من نائب مستشار الأمن القومي دينا باول، ومديرة المكتب الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي ناديا تشادلو، وقد جاءت الوثيقة عقب الرحيل المفاجئ لمستشار الأمن القومي مايكل فلين والهزة التي ضربت لاحقاً فريق الأمن القومي، بعد صراع داخل الإدارة حول السياسة الخارجية بين هؤلاء الذين يفضلون توجهات ترمب المتطرفة أمثال ستيف بانون وسيباستيان غوركا وستيفن ميلر، وهؤلاء الذين يفضلون توجهاته التقليدية أمثال جيمس ماتيس وجون كيلي وريكس تيلرسون وماكماستر.
 
تقوم استراتيجية ترمب للأمن القومي على أربعة محاور رئيسية تستند إلى: حماية الوطن، وتعزيز الرخاء الأميركي، والحفاظ على السلام العالمي، وتعزيز الدور الأميركي على الساحة الدولية. وتحدد الاستراتيجية ثلاثة أنواع من التحديات تتمثل في القوى الساعية لتغيير النظام العالمي كالصين وروسيا، و»الأنظمة المارقة» مثل كوريا الشمالية وإيران، ومجموعات «إرهابية» ناشطة لأعمالها تأثير دولي، مثل تنظيم الدولة الإسلامية.
 
إذا تجاوزنا الصيغ البلاغية للاستراتيجيات الأميركية المتعاقبة، فإن جوهر الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط لم يتغير، وتبدو النزعة البراغماتية الواقعية حاضرة دوما، لكنها مع ترمب أشد فجاجة وأكثر وقاحة، إذ لم تعد مسألة نشر الديمقراطية أولوية وهي عمليا لم تكن أولوية أميركية تاريخيا، فقد دعمت أميركا الدكتاتوريات حول العالم وخصوصا منطقة الشرق الأوسط، لكن وثيقة ترمب تبعث رسالة أشد وضوحا وخالية من الغموض بدعم الدكتاتوريات وعدم الاكتراث بالديمقراطية ومسألة حقوق الإنسان.
 
أحد المسائل الأساسية في وثيقة الأمن القومي لإدارة ترمب كانت قد ظهرت قبل الإعلان عن الوثيقة الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، حيث بلغت الوقاحة الإمبريالية حدها الأقصى، إذ تعتبر إستراتيجية ترمب للأمن القومي الأميركي أنه «على مدار عقود كان الحديث عن أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو المحور الأساسي الذي منع تحقيق السلام في المنطقة، إلا أن اليوم يتضح أن التطرف الإرهابي الإسلامي الآتي من إيران قادنا لندرك أن إسرائيل ليست مصدرا للنزاع في الشرق الأوسط، وأن دولا أظهرت إمكانيات التعاون المشترك مع إسرائيل لمواجهة التهديدات الإيرانية»، الاستراتيجية الأميركية لفهم طبيعة المخاطر في الشرق الأوسط تشير إلى أن واشنطن ترى أن ثمة خطرين في المنطقة: الأول هو التنظيمات الإرهابية، والثاني هو إيران، وقد تخلت عن فكرة أن السبب الرئيسي للأزمات هو الصراع العربي الإسرائيلي، كما تخلت عن فكرة إدخال الديمقراطية إلى بلدان العالم العربي، وهذه المجموعة من الأفكار والأهداف تختلف تماماً عن مقاربة جورج بوش الذي سعى لإدخال التغيير عن طريق القوة، وأيضاً تختلف عن مقاربة الرئيس السابق أوباما الذي دعا إلى إحلال الديمقراطية والإصلاحات، واكتفت بفكرة «الاستقرار».
 
تشدد الاستراتيجية الأميركية على أن إسرائيل «ليست مصدرا للنزاع في الشرق الأوسط»، إنما هو «التطرف الإرهابي الإسلامي الآتي من إيران»، إذ أكدت الوثيقة أنه «على مدار عقود كان الحديث عن أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو المحور الأساسي الذي منع تحقيق السلام في المنطقة، إلا أن اليوم يتضح أن التطرف الإرهابي الإسلامي الآتي من إيران قادنا لندرك أن إسرائيل ليست مصدرا للنزاع في الشرق الأوسط، وأن دولا أظهرت إمكانيات التعاون المشترك مع إسرائيل لمواجهة التهديدات الإيرانية»، كما أن «الشركاء سيعملون على محاربة الأيديولوجيا المتطرفة، وسيدعون الزعماء في منطقة الشرق الأوسط للعمل المشترك لمحاربة التطرف الإسلامي والعنف»، حيث تعيد الوثيقة التذكير بقمة مكافحة التطرف في السعودية التي ترأسها دونالد ترمب والملك سلمان بن عبدالعزيز في مايو الماضي، واعتبار المركز الذي أُسّس لمكافحة التطرف، محورياً في قيادة هذه الجهود.
 
يمكن فهم اختزال المنطقة في وثيقة ترمب عبر مدخل «الإرهاب» وتصورات إدارته لهذا المفهوم وتوسيعه ليشمل منظمات ودول استاادا لرؤية استشراقية ثقافوية فحة للمنطقة وتاريخها من خلال الفريق الذي كتب وثيقة الأمن القومي، فعلى الرغم من تنحية «فلين» فقد كانت رؤيته حاضرة بقوة، إذ بدت توجهاته وأفكاره حاسمة في استراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة لمواجهة الإرهاب والتطرُّف العنيف؛ والتي كان قد وضعها في كتاب بعنوان «ميدان القتال: كيف يمكننا كسب الحرب العالمية ضد الإسلام الراديكالي وحلفائه»، الصادر في يوليو 2016 ،حيث يجادل بأن أميركا تقف حاليًّا مرة أخرى في مفترق طرق؛ حيث إنها طرف في حرب عالمية تدور رحاها بين الديمقراطية الغربية من جانب وبين ما يسميهم «الإسلاميين الراديكاليين» والدول القومية التي ترعاهم من جانبٍ آخر، ويُشير «فلين» في مؤلفه إلى أن السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى مدى عقودٍ، قد تجاهلت التهديد الإيراني، حتى أن إدارة «أوباما» توصلت مع إيران مؤخرًا لاتفاق نووي. وعن إيران يقول إنها الدولة التي لا تكف عن دعم الأنشطة المتطرفة من خلال تمويل الميليشيات الشيعية الموالية لها.
 
أما الدكتورة ناديا شادلو التي تعنبر الكاتب الرئيس لوثيقة الأمن القومي فقد انصبت اهتماماتها على كيفية تحويل الانتصارات العسكرية إلى انجازات سياسية، علاوة على اهتمامها البالغ بإعادة هيكلة الحركات السياسية في البلدان المهزومة، حيث وضعت رؤيتها في كتاب بعنوان «الحرب وفن الحكم: تعزيز نجاح القتال في الانتصار السياسي» الصادر حديثا في 2017 ،وتعمل شادلو حاليا تحت إمرة ترامب في منصب مساعدة رئيس قسم استراتيجية الأمن القومي بمجلس الأمن القومي، وعملت كمساعدة للجنرال ماكماستر مستشار الأمن القومي للرئيس ترمب.
 
خلاصة القول أن وثيقة الأمن القومي الأميركية الترمبية لا تغادر الأسس والمبادئ للفلسفة الأميركية وتصوراتها الاستشراقية والثقافوية حول الشرق الأوسط، إلا أنها أكثر وضوحا وصراحة إلى حد الوقاحة باختزالها المنطقة بالتطرف الإرهاب الإسلامي، حيث تقع الاستراتيجية في ذات الأخطاء التقليدية في التعامل مع الظاهرة الإرهابية فهي لا تتحدث بشكل يذكر عن الترويج لحقوق الإنسان والتنمية والحكم الرشيد وأدوات «القوة الناعمة» وهي مبادئ كانت حاضرة في استراتيجية أوباما لمكافحة الإرهاب التي نصت في مقدمة مبادئها التوجيهية على ضرورة «احترام حقوق الإنسان وتعزيز الحكم الرشيد واحترام الخصوصية والحريات المدنية والالتزام بالأمن والشفافية ودعم سيادة القانون» .
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات