Thursday 22nd of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Aug-2019

شاعرية الحلم في «أخيلة» للشاعر عيد النسور

 الدستور-د. محمد عبدالله القواسمة

يتبادر إلى الذهن ونحن نتأمل عنوان مجموعة الشاعر عيد النسور «أخيلة «(عمان: دار أمجد، أمانة عمان الكبرى، 2016م) كتاب غاستونباشلار «شاعرية أحلام اليقظة « الذي يهتم فيه صاحبه بالخيال ودوره في بعث أحلام اليقظة. وما أن ننتهي من قراءة المجموعة حتى تتأكد لنا أن وجهة نظرباشلار متجسدة، على مستوى التطبيق، في العالم الشعري اذي أقامه النسور في أخيلته. فالشعر كما يرى باشلار نتاج نفسي لرحلة متميزة للخيال عبر أحلام اليقظة. وهي رؤية تلتقي مع رؤية عالم النفس فرويد بأن الكتابة الأدبية تشبه أحلام اليقظة التي تعد البديل عن ألعاب الطفولة واستمراريتها. 
وإذا كانت هذه الرؤية تتخفى في عنوان المجموعة فإن الشاعر يطرحها مباشرة في صورة رائعة، بعدما وصف الليل بأنه ثوب مطرز بالنجوم، وأنه حقل صبابته وعشقه، فهو يصف نفسه بأنه شاعر «تقتاته الأحلام» فهي التي تنهش من روحه وجسده:
«الليل ثوب للنجوم
عفوا
صبابة شاعر تقتاته الأحلام» (ص97)
يذكرنا قوله: «تقتاته الأحلام» بقول أبي تمام في وصف بعيره: 
رعته الفيافي بعدما كان حقبة
رعاها وماء الروض ينهل ساكبه.
فالشاعر تستهلكه الأحلام دون أن يكون له مثل هذا التأثير الذي كان لبعير أبي تمام في الفيافي التي سلكها. إنه لا يقوى على صراع احلامه مع أنها كانت في حقبة الصبا والشباب أحلامًا جميلة: 
«حياة الفتى غربة ورحيل
ودرب طويل وحلم جميل» (ص 129)
وتبدو الأحلام في قصائد الشاعر مرتبطة بالليل، وأحلام الليل تنطوي في العادة على أحلام يقظة تلك التي يحثنا باشلار على البحث عنها؛لأنها ــ كما يرى الشاعر النسور ــ»خابية الأماني»(ص 27). ففي مشهد بعنوان «عدل»، من مشاهد قصيدته الطويلة «إني أحلم»، يرى الشاعر في منامه حلمًا ينطوى على حلم يقظة بأن يُحاسب أولي الأمر لتحقيق العدل بين الناس،كما كانوا يحاسبون أيام عمر بن الخطاب:
«رأيت في منامي
أن الفاروق يستدعي ولاته
يحقق معهم
ويحاسبهم على كل
ما اقترفوه بحق شعوبهم
ففرحت» (ص79)
ومثل هذا المشهد نراه في مشهد آخر من القصيدة نفسها بعنوان» زغرودة»التي يحلم فيها الشاعر بانتفاضة في فلسطين تحرر القدس من الاحتلال:
«كأنني أرى انتفاضة غضبي
تعانق السماء
تقرأ الأرض أغاريد الهوى
زغرودتها
لبيك يا قدس» (ص75)
وفي مشهد بعنوان «مسلة» يتوسل الشاعر؛لتحقيق حلمه بالانتصار على العدو الإسرائيلي،بالتراث التاريخي، بعودة مسلة ميشع الملك المؤابيإلى مدينة ذيبونعاصمة مملكة مؤاب في القرن التاسع قبل الميلاد، وتسمى الآن بلدة ذيبان، وهي مركز لواء ذيبان من محافظة مأدبا. في إشارة واضحة إلى الانتصار الذي حققه ميشع ملك المؤابيينعلى بني اسرائيل عام 850 ق. م والذي خلده النقش الذي ظهر على المسلة التي عرفت باسم مسلة ميشع.
«أرى كما يرى النائم
أن مسلة ميشع
تعود من غربتها ضاحكة
إلى تل ذيبون» (ص 77)
وفي مشهد بعنوان» العنقاء» تتشكل صورة شعرية سردية تغدو فيها رمزية الشمس إلى الحرية مع تقليديتها مبتكرة؛ لأنها تتأتي من خلال تحليق طائر نحو الشمس؛ليظفر بحريته التي هي الهدف الذي يحلم به الطائر، وهو حلم الشاعر أيضاً.
«رأيت
طائراً يصعد سلم المدى
كأنه العنقاء ربما! وربما قبلته
خيلاء الشمس» (ص82)
وإذا كانت أحلام الشاعر تنطوى على الآمال التي يرغب الشاعر في تحقيقها فإنها أيضاً تنطوي على استدعاء عالم الحب، وبخاصة حب المرأة؛ففي قصيدة مشهدية بعنوان «آهة» يؤدي الحلم بالشاعر إلى الشوق إلى من يحب، والتأوه على فراقه.
«في حضرة حلم تشاقى
صحوت على آهة حرى
تحمل القلب شوقاً
مني إليك» (ص 69)
ويبدو الحلم ملتصقاً بحب المرأة في كثير من مشاهد قصيدة «وشوشات»؛ فنلاحظ الحلم الجميل الذي يستدعي أيام الطفولة في مشهد حواري عن الماضي. 
«ذات يوم قالت
كم كان الحلم جميلاً
وكم كنت
طفلاً شقياً» (ص 147)
وفي قصيدة مشهدية أخرى» زورق» يرى الشاعر نفسه غارقًا في الأحلام كأنه في زورق يتجه به نحو الحبيبة، إنه زورق خاص بأحلامه فهو يرفض أن يستخدم زورقًا يبعده عن حبيبته:
«كل زورق حلم
يبعدني
عن فراق عينيك سيدتي
لن أسوح به» ( ص150)
ويبدو المشهد الشعري الذي يحمل عنوان «تنهيدة» خير من يمثل التصاق الحلم بالحب، ليس في مرحلة الطفولة وحدها بل في مراحل العمر كلها:
«في ميعة الشباب
كنت حالمًا وكان القلب عشاقاً
وفي خريف العمر عادني
معتمراً آه الهوى» (ص150)
ويلتقي الحب والحلم للتعبير عن أسى الشاعر على ما يجري لبني وطنه، فهو يدين هؤلاء الذين يتاجرون بالوطن، ويفرطون في دماء أبنائه، ويئدون أحلامه الجميلة:
«ليلاي أنينك أشقائي
من غال الحلم من الجاني
يا بلسم جرحي.. لمن أهلي
باعوا بالرخص دمي القاني» (ص132)
وإذا كانت أنا الشاعر تعبر عن حلمها بالحب، حب المرأة فإنها تلتقي مع الأنانات الأخرى في حب الأمكنة: حب عمان والسلط، وحب البيوت العتيقة وتمني عودة أهلها إليها. كما نقرأ في قصيدة «قاع المدينة»:
«بين نحول رؤانا
وبين نوافذ دار تسأل جنح الطيور
متى سيعود لها
ذلك الحلم العتيق (ص20-21)
هكذا رأينا شاعرية الحلم في مجموعة «أخيلة» للشاعر عيد النسور تتبدى في قصائد ومضية قصيرة مكثفة، تتراوح بين شعر التفعيلة والبحر.وهي تستفيد من التراث الأدبي والتاريخي والديني والأسطوري دون إغراق، وتستعين بالسرد دون أي إفاضة في التفاصيل والشروح، وتستخدم اللغة بدقة وبساطة مع ملاحة في الكلمات والألفاظ. إنها شاعرية قادرة على إدهاشنا بأحلام اليقظة، التي هي منبع كل شعر أصيل، شاعرية إنسانية تحلم بالحرية، وتحقيق العدل والمساواة، وتدعو إلى الحب: حب الناس، والأماكن.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات