Wednesday 29th of March 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    25-Feb-2017

جيران على الورق - سليم ايوب قونة
 
الراي - دروب الحياة المتعرجة ، تغّير مواقعنا من يوم لأخر ، وترّحلنا من حارة الى حارة. كمجرى نهر يشق طريقه نحو المحيط ، يجرفنا تيار الحياة معه ، وهو يراوغ التضاريس الجغرافية التي تعترضه.
 
في كل انعطافة أو محطة سواء كانت دراسية أو مهنية أو سكنية أو حتى أثناء رحلة سياحية لأيام معدودة نلتقي بوجوه جديدة علينا ، نأنس لبعضها فنسعى للتقرب منها ، وبعضها ينفر منا فيشيح بوجهه عنا. يؤوب بعدها كل مسافر لدربه الاول ليستأنف رحلة صولاته وكبواته.
 
في بعض المحطات تنشأ علاقات مختلفة بين مرتاديها بعضها ايجابي وبعضها سلبي ،والنتائج تأتي مغايرة للتوقعات أحيانا. فكم من وجوه اجتمعت دون تخطيط في رحلة عابرة قرر اصحابها متابعة رحلة العمر الاطول في قارب واحد. وكم بيئة عمل غير مريحة كانت حاضنة دافئة لعلاقات شخصية خاصة أدت الى صداقات أبدية أو ارتباط مقدس ، وكم من علاقات اجتماعية عائلية من نسب ومصاهرة تحولت الى علاقات مهنية أو تجارية بحتة. وهكذا ما فتأت الدروب تتعرج ومجرى النهر يتعمق ، لنجد انفسنا نلاحق بقية أحلامنا فوق جزرنا الصغيرة الخاصة بنا.
 
فأنا مثلا أجد نفسي اليوم في جزيرة على الورق وأسكن في حارة افتراضية لا يتجاوز عدد قاطنيها أصابع اليدين. لكن زوارها حقيقيون ويعدّون بعشرات الالاف بل اكثر بكثير. والمفارقة انني أعرف عددا من زوار الحارة معرفة شخصية أكثر مما أعرف من سكان هذه الحارة. فكل ساكن في هذه الحارة يشرّع نافذته على جيرانه وعلى المجتمع ،عامدا متعمدا ، لكي يطلّوا عليه وعلى معلوماته وتجاربه ونظرته للحياة وهو في غاية الرضى ، فهي مهمته التي أوكلها لنفسه. فمن زاويتي أطلّ على ما يدور في ذهن وخيال كل واحد من هؤلاء الجيران بلا استثناء بشكل شبه منتظم ، وأستفيد وأتعلم شيئا جديدا من صاحب النافذة أو صاحبتها وعنه وعنها لكن عن بعد!
 
كثيرة وجميلة هي الاشياء المشتركة والهامة التي تجمع أصحاب الرأي والقلم المتجاورين ، والا لما أتيح لما يكتبوه ان يتحول الى مادة صحفية صالحة للنشر تعرض على الرأي العام. فكل واحد بطريقة أو بأخرى منشغل بهموم ومسائل تتجاوز محيطه الشخصي المحدود. وكل واحد قد حمّل نفسه مسؤولية غير سهلة تتمثل في التحدث نيابة عن فئة من المجتمع ، أو شخص بعينه صاحب تجربة مميزة ، أو عن انسان يواجه مأزقا أو دفاعا عن قضية ما ، أو توضيحا لفكرة جديرة بالتأمل أو حتى سرد حادثة طريفة واقعية لا تخلو من عبر ودلالات.
 
فاذا كانت هذه بعض العناصر التي تجمع بين جيران الكلمة في جزيرة «الاراء» الحريصة على الموائمة بين الانفتاح والمسؤولية وطرح الرأي والرأي الاخر. واذا كانت مثل هذه الافكار هي التي تجعلني اقرب الى جاري على الورق من زميلي في الدراسة أو العمل أو من أحد أقاربي ، فانني أتساءل ألن يكون من قبيل الفظاظة الغريبة لو التقيت صدفة بواحد من جيراني هؤلاء في متجر أو محطة بنزين دون ان نتبادل التحية؟
 
أرجو ان لا أكون متجاوزا للمألوف اذا قلت انني أتمنى ان أكون قد تعرفت مباشرة على كل جيراني على الورق قبل أن أصادف أي واحد منهم في مكان عام دون ان نتمكن من تبادل التحية!
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات