Sunday 18th of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Aug-2019

قلــتُ : لا!

 الدستور-ماجد شاهين 

قُلتُها أكثرَ من مرّة ٍ، بالكلامِ وبالفعل ِ والموقف وبالصمت وبالسكوت وبالهروب.
وأتذكّر الآن، أنّني  قلت (لا)  في السنة الخامسة من عمري، أيْ كان ذلك في العام 1961، ربّما في منتصفه، ومن هناك بدأت ذاكرتي تضيء وتتّسع وتتوهج وتختزن الصور والحوادث والمواقف والحكايات والأماكن والناس.
لا أغفل شيئا من التاريخ والتأريخ والصور والحارات، منذ تلك الحكاية ومنذ ذلك التأريخ.
***
حينها، وهذه أو تلك، كانت أوّل (لا) واضحة في حياتي، حيث  هربت من الدار والتجأت  إلى مطعم العائلة  وصعدتُ إلى سدّة المطعم لكي أتوارى مختبئاً، هاربا ً ومحاولا ً التملّص من رحلةٍ صعبة ولكنّها واجبة ولم أكن في حينه أعرف الفرق بين الواجب والرغبة.
***
المهم ّ في الأمر أن ّ ألــ (لا) لم تصمد أمام القوّة، قوة وشكيمة الرجال الذين دسّوني في مقعد السيارة الخلفيّ وصرت وراء السائق وفي المقعد الأماميّ كان عمّ والدتي (أطال الله في عمرها) المختار أبو علي الخضر عفانة رحمه الله.
***
نقلوني من كنف ِ الأب في مادبا، حيث ولدت، إلى كنف الأم هناك في قلقيلية حيث وُلِدَتْ أمّي وأبي.
هكذا صار بسبب افتراق الوالدين.
انتقلت من منزل العائلة المستأجر في حوش العم المرحوم عطا الله المنصور الكرادشة مقابل كنيسة الروم الأرثوذكس بمادبا.
كنت في الخامسة وقلت (لا) ولكنها سرعان ما ضاعت في الزحام تلك الــ  (لا) وغدت رضوخا ً للأمر الواقع.
ثم ّ قلتها مرّة أخرى حين أعادوني بعد سنتين، ولكنّي رضخت لشروط الحياة، كما نفعل في كلّ مرة.
***
تلك أوّل (لا )  في حياتي، وقلتها بعد ذلك كثيرا ، مرّات بشكل صارخ وموجع ورافض وذلك كان في إطار المدرسة والعائلة والبيت والسوق، ومرّات عديدة أخرى في إطار الحوار والمواقف والحياة وربّما كانت في أغلبها ضمن الــ (لا) الناعمة.
ناعمة وليست معيبة.
***
قلت لا ولكن على قدر استطاعتي وقوتي وصلابتي، وعلى قدر ما يمكن لواحد ٍ مثلي أن يقول.
كنا نقول (لا) مواربة، كأن نبتعد ونغيب عن شروط الــ (نعم) الصادمة والمخيّبة للمواقف والأحلام والآمال.
كنا ولا نزال نعرف أين نضع (لا) وأين نغيب لكي لا نضع (نعم).
ونقول (نعم) لكلّ الصح والصواب والخير والحق والجمال والحرية والطمأنينة والأمان والعدل.
***
العربيّ في الأغلب الأعمّ، يسعى إلى كلام لا يكلّفه جهدا  أو مالا  أو وجعا .. نحن نذهب إلى أقلّ الخسائر، وأقلّ الخسائر تكمن في أن لا نقول (نعم) أو نسكت ونتوارى ونتفرّج.
* مقطع من سيرتي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات