Thursday 13th of December 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Dec-2018

مضى وهو يقول: هل ثمة ما يستوجب اليأس؟ - د. محمد القضاة

الراي - قبل اسبوع زارني كثير الغلبة واليأس يتنفس وجهه، وحين تطالع وجوه الناس وتقرأهم عن قرب  ادرك أنّ الأمر يتجاوز الراهن ويصل إلى لحظة لا تعرف فيها كيف يعيش هؤلاء في تيهٍ واغتراب؛ غير أني أعود لتلك اللحظة لأقف عنده حين كان نشيطاً، يصحو مبكراً، ويذهب إلى عمله وهو مفعمٌ بالحيوية والنشاط، استمر على هذا الحال أكثر من عقدين، ليكتشف نفسه ذات يوم أنّه في سن التقاعد، وأن شهورا معدودة تفصله عن حياة جديدة طالما تاق إليها، وبعد أيام وصله كتاب شكر يثني عليه، أدرك لحظتها أن الزمن قد سافر به إلى خريف العمر، فماذا يعمل، والأولاد والبنات قد غادروا الواحد تلو الآخر، لم يبق أمامه سوى ذكرياتهم وصورهم!

عاد إلى الماضي يقرأ فيه صحيفته، تذكر كيف يبدأ الإنسان طريقه، وقف في محطات الحياة وتصفح نفسه فيها، عبث بقصاصات ورقه ومذكراته، حزن على اللحظات التي مضت دون أن يؤثر فيها أو يحرك ما كان يجب أن يتحرك، رجع إلى نفسه وقال: لماذا نمضي في الغواية في تلك السنين ولا ندرك أن الزمن يمضي كلمح البرق أو أسرع! نظر حوله فوجد الأصدقاء والأحباب وقد تفرقوا، هاتف الأول فلم يجده، ثم بحث عن الثاني والثالث والرابع، عندها أدرك أن لكل أجل كتاب وأن الزمن هو الوحيد الذي ينتصر على الإنسان.
تتعدد الحكايات وتتكرر خاصة حين تنام وأنت تتوسد اليأس والإحباط والملل، ثم تتوالد وتتكاثر حين تتحطم أمام صداع؛ كأنه كهل استعصت أمراضه، وتتآكل وتهترئ عندما تنام وتصحو من فرط ليل طويل تقشعر له الأبدان، ويصيبك الصدأ والهم حين تقف في طابور الانتظار تائهاً بلا هدف ولا دليل. وهنا لا أنسى ذلك الشاب الذي كان يشتعل نشاطاً وحيوية وهو يقول لي: سوف أطلب تقاعداً مبكراً، قلت له: لماذا؟ قال: حتى أخلص من هذه الديون، وما يتبقى لدي يكفيني، تقاعد ومضى في غيه، وبعد حين جاءني ثم وقف ينظر إليّ باستغراب، قلت له: ما بك؟ تفضل، دخل وجلس وهو يتأفف، أنفاسه تتقطع، عيونه لم تعرف النوم منذ زمن، شكله أكل الدهر عليه وشرب، الصمت يغلب على أنفاسه، وكأنه صمت القبور. بادرته بالسؤال ثانية، ماذا جرى لك؟ لماذا تحمل هم الدنيا ومعاناتها؟ قال: تهاجمني الأسئلة وتؤرقني وتحرق داخلي، وتغمرني سحب الهلوسة، وليس لدي أي إجابة، لم أسمع النصيحة، رفضت كل رأي يخالف رأيي، ركبت رأسي، ظننت أن التقاعد حياة جديدة، أجد فيها ما فقدته في المرحلة الأولى، غير أنه عبث، لا أحد ينظر إليك، أو يسأل عنك، حتى أولادك وبناتك وزوجك لا يعجبهم حالك، فماذا افعل؟ هل انتحر؟ أم ارحل إلى بلاد بعيدة، قل لي: ماذا أفعل؟ باالله عليك لا تبخل عليّ بالنصيحة! ابحث لي عن عمل آخر، وأنا على استعداد لان اعمل دون مقابل، كي أتخلص من هذه البلادة، ومن هذا الصمت المريب، ومن هذا الروتين الممل، ومن هذه الحياة الرتيبة من هذا اليأس؟ لماذا اليأس؟ هل ثمة ما يستوجب اليأس؟ ثم مضى وهو يقول: لا تنسى هذا اليأس، ولا تنسى الإجابة عن سؤالي.
تأملت أسئلته، حزنت على حال المتقاعدين في بلادي، فهم فئة عزيزة قدموا شبابهم وحياتهم وكافحوا الليل بالنهار ومن حقهم أن يعيشوا باستقرار وآمان، وأن يشعروا أنهم جزء من مجتمع يجب أن يحبهم ويقدرهم، لا أن يعيشوا في ظل ظروف تطحن كل شيء، ثم تذكرت حال المتقاعدين في أوروبا، والغرب عامة وإذا المقارنة بين متناقضين، حال من ينتظر لحظة النهاية والموت، وحال من تنفتح له الحياة من جديد، حال من يشعر بالذنب والتقصير، أو أنه أصبح عالة على غيره، وحال من يشعر أن الدنيا مقبلة عليه، حال من يجلس في بيته يعد الساعات والأيام والليالي ولا يعرف ماذا يفعل ويعمل، وحال من يرتب حياته وبرامجه بدقة وفرح فلا يعرف كيف تمضي به الأيام، وحال من يفكر بأولاده وبناته وأحفاده ويشعر بالتقصير حيالهم، وحال من يمضي في فرح وحبور وارتحال لأنه ليس مسؤولا عن أحد سوى نفسه. حال أغرب من الخيال تصعب على الحيران، وحال تطرب لها الآذان حين ترى عجوزاً في الثمانينيات من عمره يلبس أحلى الثياب وأجملها وأغلاها، تراه في الأسواق والقطارات والمقاهي يتحدث بشغف، وإذا كان وحده فالكتاب رفيقه وأنسه، وتطول المفارقة فتكتشف أنك في حلم أثقل من الجبال، إنه التقاعد الذي يدق أبواب الحزن والقهر عند أغلب المتقاعدين في بلادنا، إنه التيه في أرض االله الواسعة...
mohamadq2002@yahoo.com
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات